الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقال أبو حنيفة : ارتفع سهم رسول اللّه وسهم قرابته بوفاته ، وبقي الخمس لليتامى والمساكين وابن السبيل ، لأنّ رسول اللّه إنّما أخذ سهما في المغنم لأنّه رسول اللّه ، لا لأنّه إمام ، فلذلك لا يخلفه فيه غيره . وعند الجمهور أنّ سهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخلفه فيه الإمام ، يبدأ بنفقته ونفقة عياله بلا تقدير ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ تقدّم تفسير معانيها عند قوله تعالى : وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [ البقرة : 177 ] وعند قوله تعالى : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً - إلى قوله - وَابْنِ السَّبِيلِ [ النساء : 36 ] . واليتامى وابن السبيل لا يعطون إلّا إذا كانوا فقراء ففائدة تعيين خمس الخمس لكلّ صنف من هؤلاء أن لا يحاصهم فيه غيرهم من الفقراء والشأن ، في اليتامى في الغالب أن لا تكون لهم سعة في المكاسب فهم مظنّة الحاجة ، ولكنّها دون الفقر فجعل لهم حقّ في المغنم توفيرا عليهم في إقامة شؤونهم ، فهم من الحاجة المالية أحسن حالا من المساكين ، وهم من حالة المقدرة أضعف حالا منهم ، فلو كانوا أغنياء بأموال تركها لهم آباؤهم فلا يعطون من الخمس شيئا . والمساكين الفقراء الشديد والفقر جعل اللّه لهم خمس الخمس كما جعل لهم حقّا في الزكاة ، ولم يجعل للفقراء حقّا في الخمس كما لم يجعل لليتامى حقّا في الزكاة . وابن السبيل أيضا في حاجة إلى الإعانة على البلاغ وتسديد شؤونه ، فهو مظنّة الحاجة ، فلو كان ابن السبيل ذا وفر وغنى لم يعط من الخمس ، ولذلك لم يشترط مالك وبعض الفقهاء في اليتامى وأبناء السبيل الفقر ، بل مطلق الحاجة . واشترط أبو حنيفة الفقر في ذوي القربى واليتامى وأبناء السبيل ، وجعل ذكرهم دون الاكتفاء بالمساكين ؛ لتقرير استحقاقهم . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ شرط يتعلق بما دلّ عليه قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ لأن الأمر بالعلم لما كان المقصود به العمل بالمعلوم والامتثال لمقتضاه كما تقدّم ، صحّ تعلّق الشرط به ، فيكون قوله : وَاعْلَمُوا دليلا على الجواب أو هو الجواب مقدّما على شرطه ، والتقدير : إن كنتم آمنتم باللّه فاعلموا أنّ ما غنمتم إلخ . واعملوا بما علمتم